المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : مقال / ابتعاث طلاب الثانوية إلى أمريكا


أحمد الكراني
25/12/05, 08 :22 08:22:15 AM
مها فهد الحجيلان*
من الواضح أن حجم الابتعاث الذي تقدمه وزارة التعليم العالي حاليا للطلاب والطالبات لإكمال تعليمهم في الخارج يعدّ حجما كبيرا مقارنة بالحال في السابق؛ وهي خطوة إيجابية بشكل عام. بَيد أنّ هناك سلبيات كثيرة لهذا النوع من الابتعاث الواسع والخاص بابتعاث طلاب المرحلة الثانوية في تخصصات متوافرة في الجامعات والكليات السعودية.
من المهم الإشارة إلى أن شخصية الطالب الناضجة مهمة للغاية من حيث إنها تساهم بشكل مباشر في تعامله مع المتغيرات وفي تطوره الفكري. إن الدراسة في الخارج لا يتعلم منها المبتعث العلم البحت فقط ولكنه يتعلم كذلك الثقافة وما يرتبط بها من معطيات متعلقة بالمجتمع والسياسة والدين والعادات.. وغير ذلك من مكونات الحياة في ذلك المجتمع.
وهذه أمور لابد له أن يعيشها ويتعامل معها طوال وقته سواء أراد أم لم يرد؛ بوصفها عوامل ثقافية يحويها المحيط المعاش بشكل طبيعي. من هنا فإن عمر المبتعث إضافة إلى وعيه ونضجه من الأمور الهامة التي ينبغي أن توليها وزارة التعليم العالي اهتماما خاصا. إن ابتعاث طلاب مراهقين تخرجوا للتوّ في الثانوية العامة يعد أمرا خطيرا وبخاصة إذا كانوا سيذهبون إلى بلد ذي لغة وثقافة مختلفة تماما عما اعتادوا عليه.
من أبرز المشكلات التي ستواجه هؤلاء الطلاب الضعف اللغوي والفكري، فهؤلاء الطلاب -من خريجي الثانوية العامة- معلوم أن مستواهم المعرفي والثقافي بشكل عام محدود بحدود كتبهم المدرسية التي تعلموا أغلبها عن طريق التلقين. يمكن القول من غير مبالغة بأنهم لم يستوعبوا ثقافتهم العربية والإسلامية الفهم الدقيق، ولم يفهموا التعامل مع مجتمعهم بالصورة الصحيحة؛ فكيف نزج بهم في مجتمع له ثقافة مختلفة كثيرا وأحيانا مناقضة لما ألفوه؟. من الأمثلة على ذلك الضعف اللغوي والفكري ما شاهدته لعدد من الطلاب طالبي تأشيرة الذهاب إلى أمريكا الذين تجرى لهم مقابلات شخصية في مقر السفارة الأمريكية في الرياض.
فكثير من الطلاب يرددون إجابات جاهزة سمعوها من زملائهم حتى لو كانت خاطئة، كأن يجيب عن سبب ذهابه إلى أمريكا بأنه يريد زيارة أصدقاءه، وفي كثير من الأحيان يتبلمون ولا يحيرون جوابا؛ فالصمت وعدم الإجابة أمر مستغرب بل مدهش للأمريكيين رغم أنه ربما لا يكون كذلك في ثقافتنا لأن بعض الطلاب قد تعودوا عليه في منازلهم ومدارسهم. عدم الرد على السؤال يعني في ذهن الطلاب السعوديين خريجي الثانوية أنهم لا يعرفون الجواب وهذا ما نفهمه من خلال التعامل معهم؛ لكن الأمريكيين لا يفهمون معنى لصمت الشخص عن الرد على سؤال مباشر موجّه له إلا أن يكون ذلك الشخص لم يسمع السؤال أو أن لديه عيبا خَلقيا في جهاز النطق أو أن يكون شخصا غير سويّ.
أتمنى أن تتاح الفرصة لأحد مسؤولي وزارة التعليم للحضور إلى السفارة الأمريكية على سبيل المثال ومتابعة طريقة إجابات الطلاب السعوديين وارتباكهم والفوضى وعدم المبالاة التي تحيط بسلوك بعضهم. إنهم لا يحسنون الوقوف في الصف ولا اتباع التعليمات وحينما يجيبون فإنهم يكذبون من باب التفاخر أو التظاهر بالفهم؛ فقد سمعت أحد الطلاب حينما رجع من المقابلة يتفاخر على أحد أصدقائه بصوت مرتفع بأنه قال للسيدة الأمريكية التي سألته عن البلدان التي زارها بأنه ذكر لها عددا كبيرا من البلدان وهو لم يزرها في الحقيقة لكنه أراد أن يبين لها أنه شخص منفتح ومتحضر.
إن هذا الطالب وغيره ممن اعتادوا على الكلام غير الدقيق من خلال أحاديثهم مع أصدقائهم سيكون صيدا سهلا للقانون الأمريكي الذي سيرميه في السجن بكل بساطة حينما يكتشف أنه يكذب على القانون ويقدم معلومات مضللة أو غير صحيحة.
هناك عادات سلبية منتشرة في السعودية يتداولها بعض المراهقين وربما يحملونها معهم إلى بلدان ذات ثقافة وقوانين مختلفة؛ فالمعاكسات والمضايقات التي تجري في شوارعنا لا يمكن لهؤلاء حملها معهم إلى بلدان مثل أمريكا؛ فالمرأة هناك لا تحتاج إلى شهود أو أدلة لكي تتهم شخصا بالتحرش الجنسي الشفهي أو الحسي من أجل أن يودع المتهم في السجن سنوات طويلة. هذا ليس تبرئة لنزاهة المرأة في الغرب ولكن القانون صارم ولا يعرف الواسطات والشفاعات الشخصية والقانون في الغرب يقف في صف المرأة في كل الحالات؛ فما بالكم حينما يكون المتهم عربيا؟
كما أن قيادة السيارة بالطريقة المتبعة في الرياض وما تتضمنه من مراوغات وخروج من مسار إلى آخر واعتداء على حق المشاة وغير ذلك من المخالفات المرورية التي أصبحت كأنها هي النظام عندنا- هذه الطريقة في القيادة لا يمكن أن تكون صحيحة في الخارج لأنها ستُسبب حوادث كثيرة ومخالفات مرورية قد تتبعها مخالفات جنائية تشكك في عقل سائق السيارة أو سلوكه كأنْ يتّهم بأنه كان يتعمد تعريض حياة مواطنين أمريكيين للخطر والرعب من خلال قيادته للسيارة بطريقة خطيرة.
إن عدم فهم الثقافة الأجنبية سيوقع المرء في مشكلات كبيرة حتى لو كان كبيرا في السنّ فما بالكم بطفل لم يبلغ السن القانونية حسب القوانين الغربية؟ من القصص المتداولة التي تكشف أن عدم فهم الثقافة الأمريكية على سبيل المثال سيوقع المرء في معضلات كثيرة - ما وقع قبل سنتين لرجل عربي من الأردن كان يعيش في ولاية فرجينيا بأمريكا؛ ومشكلته تتلخص في أنه ذهب بأطفاله إلى حديقة قريبة من منزله وترك الطفلين الكبيرين يلعبان وبقي الصغير في حجره يداعبه ويضحك معه ويُقبّله أحيانا ويضمه إليه؛ وقد شاهدته سيدة أمريكية ففجعت مما رأت وطلبت من صديقاتها الحضور لمشاهدة هذا المنظر الإجرامي بحسب تصورهن، وحينما رأين الرجل يُقبّل طفله ويداعبه اتصلن بالشرطة التي حضرت في الحال واقتادت الرجل إلى السجن بحجة الاعتداء الجنسي على طفل؛ وبناء على شهادة السيدات ضده حُكم عليه بالسجن وبأخذ أطفاله منه وتوزيعهم على عوائل تتبناهم باعتبار أن الأب رجل خطير ليس على أبنائه فحسب بل على المجتمع كله. لقد قام بعدها عدد كبير من العرب والمسلمين بمظاهرات لمطالبة المحكمة بتفهّم الثقافة العربية التي ترى أن تقبيل الابن ومداعبته تعد نوعا من الحب والود والحنان وليس لها علاقة بالجنس أو بأمور سلبية إطلاقا لكن مظاهراتهم لم تشفع بشيء. وحينما يخرج الأب من السجن بعد ردح من الدهر لن يجد عائلته وسيوضع في قدمه جهاز مبرمج يحدد مكانه بحيث يكون بعيدا عن الأطفال لأن اسمه سيبقى على قائمة Sex Offender التي تعني بكل بساطة حرمان الشخص من الحياة الطبيعية مدى الحياة.
الأمر في أمريكا اليوم لم يعد كما كان قبل عشر سنوات، فاسم السعودية لا يزال مرتبطا بالعنف والإرهاب للأسف لدى كثير من الناس بسبب الإعلام المغرض الذي لا يزال يعزف على النغمة السلبية ويلومون حكومة بوش على تساهلها مع السعودية على الرغم مما نال وينال طلابنا هناك من مصائب ومعضلات. والعجيب أن معظم مشكلات الطلاب السعوديين في أمريكا ليس لها علاقة بدراستهم أو تحصيلهم العلمي ولكنها متصلة بأمور قانونية بسبب عدم الفهم أو الجهل. وربما يقع السعوديون في أخطاء قانونية تتعلق باستغلال مرونة النظام هناك الذي يصدق الشخص بكل ما يقول ولا يحتاج منه إلى تواقيع وختوم لتصديق كلامه، ولكنه في المقابل سيعاقب من يخالف هذه الثقة عقوبة قاسية أقلها الطرد أو السجن.

إن هؤلاء المبتعثين من طلاب الثانوية يعتبرون ثروات وطنية مهمة يمكن لبلدنا أن يفيد منهم ومن عطائهم وطاقتهم وقدراتهم الخاصة، ولكن رميهم في مجتمع وثقافة وقوانين مختلفة قد لا يحقق الطموح الذي نريده وربما يجلب لهم ولبلدنا مشكلات كثيرة الآن أو في المستقبل. هذا علاوة على الموارد المادية التي ستنتفع بها بلدان أخرى من خلال مصاريف المبتعث وحياتهم التي ستنعش اقتصاد ذلك البلد؛ وكان بالإمكان استثمار هذه المبالغ في إنشاء جامعات وكليات أكثر هنا في بلدنا، والتوسع في افتتاح فروع للجامعات الأجنبية العريقة كما هو الحال في بعض البلدان العربية الأخرى بحيث يتحقق لدينا مستوى عالٍ من التعليم مع المحافظة على موارد البلد الاقتصادية وحماية لهؤلاء الشباب من الضياع.
*كاتبة سعودية